عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

414

اللباب في علوم الكتاب

تقول : أعمن الرجل : إذا أتى عمان ، وأعرق : إذا أتى العراق ، وأنجد : إذا أتى نجدا ، وأغار : إذا أتى الغور الذي هو تهامة . أو من أغمض الرجل في أمر كذا : إذا تساهل فيه ، والغمض : المتطامن الخفيّ من الأرض ، فقيل المراد به في الآية المساهلة ؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه ؛ لئلا يرى ذلك ، ثم كثر ذلك ؛ حتى جعل كل تجاوز ، ومساهلة في البيع ، وغيره إغماضا ، فتقديره في الآية : لو أهدي إليكم مثل هذه الأشياء ، لما أخذتموها إلّا على استحياء ، وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم ؟ ! قاله البراء « 1 » . وقيل معناه : لو كان لأحدكم على رجل حقّ ، فجاءه بهذا لم يأخذه إلّا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقّه ، وتركه « 2 » . وقال الحسن ، وقتادة : لو وجدتموه يباع في السوق ، ما أخذتموه بسعر الجيد ؛ إلّا إذا أغمضتم بصر البائع ، يعني أمرتموه بالإغماض ، والحطّ من الثمن . ثم قال : « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » والمعنى أنّه غنيّ عن صدقاتكم ، و « الحميد » أي : محمود على ما أنعم بالبيان . وقيل : قوله : « غنيّ » كالتّهديد على إعطاء الرديء في الصدقات ، و « حميد » : بمعنى حامد ، أي : أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات ، وهو كقوله تعالى : فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [ الإسراء : 19 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) قوله تعالى : « الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ . . . » الآية : مبتدأ وخبر ، وتقدّم اشتقاق الشيطان ، وما فيه عند الاستعاذة . ووزن يعدكم : يعلكم بحذف الفاء ، وهي الواو ؛ لوقوعها بين ياء ، وكسرة ، وقرأ الجمهور : « الفقر » بفتح الفاء ، وسكون القاف ، وروى أبو حيوة ، عن بعضهم : « الفقر » بضم الفاء وهي لغة ، وقرئ « الفقر » بفتحتين . والوعد : يستعمل في الخير ، والشّرّ ؛ قال تعالى في الخير : وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً [ الفتح : 20 ] وقال في الشّرّ : النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الحج : 72 ] ويمكن أن يحمل هذا على التهكم به كقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] فإذا لم يذكر الخير والشر ، قلت في الخير : وعدته ، وفي الشر أوعدته ؛ قال : [ الطويل ]

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 255 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق .